مقالات زكوية

حين تتبدل الوجوه .. وتبقى الزكاة واقفة في وجه العاصفة

من أعلي المنصة ــ ياسر الفادني

في المؤسسات الكبيرة لا يُقاس الرجال بعدد السنوات التي قضوها على المقاعد، بل بما تركوه من أثرٍ حين تمر البلاد من فوق الجمر وديوان الزكاة وهو يعبر واحدة من أعنف المراحل التي مرت على السودان، كانت أشبه بساقيةٍ تدور وسط الحريق، توزع ما تستطيع من الحياة على وطنٍ أنهكته الحرب.

 

لكن يظل الأمين العام الجديد د. يحي أحمد عبدالله القمراوي بهذه الروح الواثقة، وهو يتحدث عن مؤسسة فقدت المال والمقار والمشروعات، لكنها لم تفقد إرادتها، فإن الرجل يضع يده على معنى أعمق ، أن بعض المؤسسات تُختبر في أوقات الاستقرار، بينما تُولد عظمتها الحقيقية وقت الانهيار.

 

لقد ترجل من قبل رجالٌ حملوا الراية، وأدوا ما عليهم في زمنٍ بالغ القسوة، ومضوا تاركين خلفهم تجربةً تُحترم، لأن العمل العام لا يحتمل لغة الجحود، ولا يليق به إنكار من اجتهدوا تحت ضغط الوطن المثخن بالجراح، وفي المقابل، فإن مجيء القمراوي لا يبدو امتداداً عادياً لكرسي إداري فحسب ، بل بداية فصل جديد لرجل يدرك أن المؤسسة التي صمدت في قلب الحرب، لا يحق لها أن تتعثر بعد أن بدأت البلاد تفتح عينيها على احتمالات النهوض.

 

هكذا تمضي المؤسسات الحقيقية، يذهب الأشخاص، وتبقى القيمة، يغادر الأمناء وتظل الفكرة واقفة على قدميها ، فالمناصب ليست خلوداً لأحد، لكنها محطات يتعاقب عليها الرجال، وكلٌّ يترك بصمته بطريقته الخاصة خيرُ خلفٍ لخير سلف، وتلك هي المعادلة التي تحفظ للمؤسسات هيبتها واستمراريتها.

 

ما قاله الأمين العام الجديد هو شهادة على مؤسسة عبرت الحرب وهي تحمل على ظهرها آلاف الأسر، ومراكز الإيواء، والتكايا، ودعم العلاج، وإسناد القوات المسلحة، بينما كانت النيران تلتهم المقار والسجلات والمشروعات، الصورة هنا ليست أرقاماً عن خسائر بلغت ثمانين بالمئة، بل مؤسسة حاولت الحرب اقتلاعها بالكامل، لكنها ظلت واقفة، ولو على نصف جسد.

 

ومن بين أكثر الجمل ثقلاً، أن الديوان لم ينكسر ولم تلين له قناة ، ولم يسرّح موظفيه، ولم يطفئ نوافذه في وجه المحتاجين، تلك هي تعريف كامل لمعنى أن تكون مؤسسة دولة في زمن الانهيار.

 

ثم إن الحديث عن المستقبل، وإعادة المواطنين إلى دائرة الإنتاج، وتخصيص مشروعات لكل ولاية، واستيعاب الكوادر الجديدة، يعني أن الديوان لا يريد أن يبقى أسيراً لدفاتر الإغاثة وحدها، بل يسعى للانتقال من مرحلة (إعانة المتضرر) إلى صناعة المتعافي، وهذه نقلة تحتاج إلى عقلٍ يرى ما بعد الحرب، لا مجرد إدارة يوميات الأزمة.

 

اللافت أيضاً أن الرجل تحدث بلغة من يعرف أن السودان القادم لن يُبنى بالشعارات وحدها، بل بالشراكات، والتأهيل، واستعادة الإنسان قبل استعادة المباني، لذلك بدا حديثه أقرب إلى مشروع إعادة بعث، لا مجرد إدارة مؤسسة جباية ومصارف.

 

إني من منصتي أنظر … حيث أرى…. في النهاية، ليست القضية من جلس على المقعد، بل ماذا سيفعل وهو عليه، فالكراسي في السودان كثيرة، لكن القليل فقط من يحولها إلى مواقع عمل لا إلى منصات ظهور، وديوان الزكاة، وهو يبدل أمناءه كما تبدل الأشجار أوراقها، يبدو كمن يقول للجميع: قد تتغير الأسماء… لكن الرسالة يجب أن تبقى حيّة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

https://healthytogether.id/

https://een.edu/

https://zatun.com/

https://kemri-welcome.org/

https://www.claas.org.uk/

https://v99.net.co/

https://cadevi.com.mx/

https://dmakes.mx/

https://ebl.mx/

https://alabamadigitalnews.com

https://posgraduacao.uea.edu.br

https://zenia.app.br/

https://vision.edu.pk/

https://smamuhpiyungan.sch.id/

https://thetreasuryprivatedining.com/

https://sanlorenzowarrington.com/

http://covid.hanam.gov.vn/

https://ujangbet.org/

https://ujangbet.live/

https://ujangbet.net/

https://adhdnova.org/

https://linktr.ee/ujangbet

https://risiroofing.com/

https://heylink.me/ujangbet

https://lynk.id/UJANGBET

https://link.space/@ujangbet

https://linktr.ee/ujangbet

https://mez.ink/ujangbet

https://linkr.bio/UJANGBET

https://bio.site/ujangbet

https://allmy.bio/ujangbet

https://diglink.id/ujangbet

https://bit.ly/m/ujangbet

https://refugeeandimmigrant.org/

https://ujangbetofficial.org/

https://ujangbetofficial.com/

https://zarzecz.edu.pl/

https://iscnuevo.unsaac.edu.pe/

https://clickup.com.in/

https://supertos.com/

https://timesdaily.com.in/

https://cin.kemri-wellcome.org/