ياسر الفادني يكتب …. اليوم …تأملتُ وجهين… فعرفتُ كم تُتعب المسؤولية الرجال !

في صباح عامر بالمودة، وبدعوةٍ كريمة من أمين ديوان الزكاة بولاية الجزيرة بمناسبة زواج كريمته، لم يكن الإفطار مجرد مائدةٍ تجمع الناس حول الطعام، بل تحوّل عندي إلى لحظة تأملٍ عميقة في وجوه الرجال الذين تصنعهم المسؤولية وتستهلك أعمارهم الأمانات الثقيلة
من حسن الصدف أنني التقيتُ بأشخاصٍ غابت رؤيتهم عني سنين طويلة، لكن أكثر مشهدٍ استوقفني كان وقوفي أمام رجلين ، أحدهما غادر موقع الأمانة العامة لديوان الزكاة قبل أيام، والآخر تسلّمها وهو يدرك أن الطريق ليس مفروشًا بالورود
الأول… الأمين العام السابق لديوان الزكاة
رجلٌ ترجل عن موقعه بهدوء، لكن على كتفيه آثار معاركٍ خاضها في ظروفٍ كانت بالغة القسوة والتعقيد، لم يكن العمل في تلك المرحلة وظيفة بل كان مواجهةً يومية مع أزمات الحرب والضيق والانهيارات التي أصابت البلاد في مفاصل كثيرة، ومع ذلك، خرج الرجل وهو يحمل رصيدًا من الإنجازات، لأن معدنه الحقيقي ظهر ساعة التحدي، فالرجال لا تُعرف قيمتهم في أوقات الرخاء، بل حين تضيق الأرض بما رحبت
أما الثاني… الأمين الحالي، الذي لم يمضِ على استلامه للأمانة سوى أيام قليلة، فقد كانت لغة جسده تتحدث أكثر من الكلمات ، بعد أن صافحته، شعرت أن على كتفيه حملًا ثقيلًا بدأ مبكرًا في ترك ظلاله على ملامحه، هناك فرقٌ بين من يدخل المنصب مزهوًا بالبريق، ومن يدخله وهو يشعر بثقل المسؤولية قبل لذتها، وجهه لم يكن وجه رجلٍ يحتفل بالموقع، بل وجه رجلٍ يقرأ حجم الملفات المفتوحة، وينظر إلى واقعٍ يحتاج إلى صبرٍ وحكمةٍ وقدرةٍ على الاحتمال
وقفت طويلًا أمام المشهد…
هذا يغادر بعدما استنزفته الأمانة، وذاك يدخل إليها وهو يدرك أنها ليست مقعدًا وثيرًا، بل امتحانٌ يومي للضمير والقدرة على الصمود
في تلك الحظاتٍ أدركت تماما أن المناصب ليست دائمًا امتيازات كما يظن البعض، بل قد تكون أحمالًا نفسية ومعنوية لا يراها الناس، بعض الكراسي تُلمع أصحابها، وبعضها يأكل أعمارهم بصمت !
ذلك الإفطار لم يكن مجرد مناسبة اجتماعية، بل كان درسًا حيًا في تداول المسؤولية، كيف يخرج رجلٌ من الباب وهو يحمل تعب السنوات، وكيف يدخل آخر وهو يشعر منذ اللحظة الأولى بأن الأمانة أثقل من التصفيق والتهاني





